خط الكفاية وتأنيث الفقر

2566

عادة ما يتم تعريف الفقر بمصطلحات اقتصادية تركز على المقدرة المالية النسبية أو المطلقة للأفراد والأسر، وهو في اعتقادي تعريف “نسبي” للفقر الذي أصبح اليوم متعدد الأبعاد ولم يعد تعريفه مقتصراً على أنه نقص في السلع المادية والفرص بل هو”ظرف إنساني يتسم بالحرمان المستدام أو المزمن من الموارد، والمقدرات والخيارات، والأمن والقوة الضرورية للتمتع بمستوى لائق للحياة وغيرها من الحقوق المدنية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية والاجتماعية” ، كما عرّفته لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية.

ولعل اهم ما تناولته دراسة ” خط الكفاية” الصادرة مؤخرا عن مؤسسة الملك خالد الخيرية ليس تحديد “رقم خط الكفاية” وان كان هو المهم والخلاصة لعامة الناس ولكن تناول الدراسة لما وراء الفقر خصوصا ” آليات نشوء الفقر الاجتماعية” ، هو الذي يستحق التركيز في مسألة المعالجة، كون الفقر مرض اجتماعي بالدرجة الاولى ويجب ان ينظر اليه من زاوية نشوءه اجتماعيا فهذا حجر الاساس في المعادلة برمتها.

تناولت الدراسة في اطارها النظري الاليات الاجتماعية لنشوء الفقر وحددتها في ست نقاط هي: (الخطاب الديني والعامل الثقافي، كبر حجم الاسرة، الفساد والفقرقراطية، بطالة الشباب وشيبنة العمل، تأنيث الفقر، نظام المواريث) ، ولعل مسألة ” تأنيث الفقر” هي الابرز في خارطة الفقر التي نعاني منها محليا وتحتاج الى المزيد من البحث وان تطرقت الدراسة لهذا المفهوم بشكل عام إلا انني اعتقد ان ” تأنيث الفقر” من أهم مكونات نشوء الفقر لدينا خصوصا في السنوات الأخيرة.

ورغم جهود الحكومة المبذولة في تطبيق التشريعات الدولية للتقليل من حدة ” تأنيث الفقر” وإشراك النساء بشكل كامل في سوق العمل، إلا أن جهود “الممانعة” المجتمعية أكثر تنظيما وتأثيرا في تعطيل حصولها على هذا الحق، تارة بـ ” استدعاء العادات والتقاليد” اجتماعياً ، وتارات بـ ” سد الذرائع” دينياً.

ولعل ما يؤكد أهمية مفهوم ” تأنيث الفقر” في اتساع خارطة الفقر محليا ارتفاع نسبة الإعالة بين سكان السعودية والتي بلغت حسب آخر الاحصاءات 64%، أي أن كل فرد موظف في المملكة يعول ستة آخرين علاوة على نفسه، واحتلال المرأة للنصيب الأكبر من الفئة “المُعالة” رغم أن قانون العمل السعودي يمنح الحق لكل مواطن في العمل إلا أن هنالك تيار “ذكوري” ممانع يقف حجر عثرة أمام نيل المرأة حقها الطبيعي في أن تعمل وتعول نفسها وأسرتها ويجعل منها “عالة” على اسرتها ومجتمعها رغم قدرتها على العمل.

تبقى أن أشير الى تطرق الدراسة الى حقوق الإنسان “المدنية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية والاجتماعية ” كركيزة لإنهاء الفقر وان كانت تطرقت لها  كنظريات بشكل عام وعابر إلا أن وجودها في الدراسة  تعد خطوة رائدة وعميقة للبحث عن مسببات الفقر الحقيقية بكل شفافية ووضوح، فالفقر ليس مجرد أرقام بل هو خليط من حياتنا وتفكيرنا وثقافتنا وكل فرد في هذا المجتمع مسؤول عنه وعن دحر مسبباته، وواجبنا ان لانتترس بجانبه المادي المجرد ونربطه بمقدار الدخل ونلقي باللوم فقط على الحكومة بحجة ان “الراتب ما يكفي الحاجة” ونحن لب المشكلة وأساسها.

للاطلاع على دراسة “خط الكفاية” هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s