الطريفي والكاشيرات ووعد الشيطان !

كتب الشيخ عبدالعزيز الطريفي مقالا طويلا سماه ” حتى لا يُعيد (عادل فقيه) جزيرة العرب إلى الجاهلية الأولى “، صب فيه كلاما كثيرا يريد ان يثبت فيه نظرية عجيبة غريبة مفادها ” انشار الجاهلية والفواحش بسبب قرارات وزارة العمل الاخيرة نحو ايجاد فرص عمل للمرأة السعودية ” ، رغم انني لم ألحظ مفردة” السعودية” في ثنايا ذلك الكلام الكثير، الا أن ذلك لم يثير استغرابي فهي العادة في مثل هذه المقالات الطويلة التي يكون الانتماء فيها لـ ” وجهة النظر” لا الوطن .

ما أثار استغرابي فعلا في مقال الطريفي هو تفسيره العجيب لقوله تعالي ” الشّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللّهُ يَعِدُكُم مّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ “، فيقول الطريفي:  ” ذكر الله العُري والجوع بعد التحذير من إبليس وذلك أن أعظم غايات إبليس تتحقق بالتخويف من الفقر، قال تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر} فيخوّف الإنسانَ من الفقر والجوع وضيق الرزق والبطالة، فإذا استحكم في نفس الإنسان الرهبة من ضيق المادة والوجل من اضطراب الاقتصاد والبطالة سوّل له التخلّص من ذلك بوسائل كالتعري والسفور والاختلاط، ولذا ذكر تعالى بعد تخويف إبليس من الفقر أمْرَه بالفاحشة فقال: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} فربط الأمر بالفواحش بالتخويف من الفقر، فأوامره يُسللها إلى الإنسان تحت تخويف الفقر لينشغل عقله بالغاية فيستسهل الوسيلة، فتأتي هذه الوسائل على نفسٍ مهزومة وَجِلة ضعيفة تقبل بالوسائل مهما بلغت للسلامة من الغاية (الفقر) والعقل إذا خاف من شيء استسهل سبل السلامة منه وإن كان يستصعب تلك السبل وحدها منفردةً من قبل، بل قد يسوّغها وربما شرّعها، فيجعل إبليس تلك السبل وسائل لرغد العيش وطيب الكسب” .. انتهى كلام الطريفي .

 من منطلق ايماني بعدالة الله وان تأويل هذه الايات الكريمة بهذه الصورة يتنافى مع رحمة الله بخلقه وعدالته بهم ، فرغم وضوح الاية الا أن الطريفي حاول ان يوهم الناس بالنص فيؤوله على هوى وجهة نظره من قرارات وزارة العمل ، وعمل “الكاشيرات” وربط ” الشيطان يعدكم الفقر” بالبطالة في صورة عجيبة توقفت عندها كثيرا متأملا تفسيره وربطه العجيب هنا واقحامه لـ “التعري والسفور والاختلاط ” ، حتى يثبت وجهة نظره ويجعل الاية مطابقة لها ، !!

يقول محمد رشيد رضا “رحمه الله” في “المنار” عن هذه الايه  الكريمة ”  الشيطان يعدكم الفقر معناه أنه يخيل إليكم بوسوسته أن الإنفاق يذهب بالمال ويفضي إلى سوء الحال ، فلا بد من إمساكه والحرص عليه استعدادا لما يولده الزمن من الحاجات ، وهذا هو معنى قوله – تعالى – : ويأمركم بالفحشاء فإن الأمر هنا عبارة عما تولده الوسوسة من الإغراء ، والفحشاء البخل ، وهي في الأصل كل ما فحش ; أي اشتد قبحه ، وكان البخل عند العرب من أفحش الفحش ، قال طرفة : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد ”

“ومن مباحث اللفظ في الآية : استعمال الوعد في الخير والشر وهو شائع لغة ، ثم جرى عرف الناس أن يخصوا الوعد بالخير والإيعاد بالشر ، فإذا ذكروا الوعد مع الشر أرادوا به التهكم ، على أن ما يعد به الشيطان من الفقر هو على تقدير الإنفاق ، ويلزمه الوعد بالغنى مع البخل الذي يأمر به” .

وللحق فان استشهاد الطريفي بآيه تحث الناس على الصدقة والانفاق لتحريض الناس على البطالة والتخفيف من ويلاتها مقابل التنازل عن حق المرأة في العمل الذي أحله الله لها أمر يثير غيرتنا على ديننا من مبدأ ايماننا بعدالته قبل ان نختلف في وجهات النظر حول ما يترتب على عمل المرأة من عدمه  ، وليت الطريفي هنا وفي هذا الموضع بالذات جاء بما يتوافق مع هذه الاية الكريمة التي تحث على الانفاق والصدقة وذكر أن عمل المرأة وانفاقها على زوجه يعد وجها من أوجه الصدقة والانفاق الذي ندحر وعد الشيطان.

كانت رائطة امرأة عبد الله بن مسعود وأم ولده رضي الله عنهم جميعا تعمل في الصناعة وتبيع ما تصنعه وتنفق على زوجها الذي يقول عنه حذيفة رضي الله عنه: والله ما نعلم أحداً أقرب سمتاً وهدياً ودلاً بالنبي صلى الله عليه وسلم من ابن أم عبد – أي : من عبد الله بن مسعود-  “. فعن عروة بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن رائطة امرأة عبد الله بن مسعود ، وكانت صناعا ، وكانت تبيع من صنعتها ، وتتصدق فقالت لعبد الله يوما : لقد شغلتني أنت ،وولدك فما أستطيع أن أتصدق معكم شيئا ، فقال : ما تحبين أن يكون لك أجران ؟ ، فسألا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : ” إن لك أجر ما أنفقت عليهم ” .

لو تحدثنا عن ويلات البطالة، سيطول الكلام .. وليس للحديث عنها موضع هنا. ما أردت قوله ..أنك قد تختلف مع وزير العمل أو لا تختلف معه .. تتوافق لا تتوافق .. هذا أمر طبيعي ووجهة نظرك أيضاً ناتج طبيعي لموقفك.. ولكن قل أن هذه وجهة نظر شخصية ولاتجعل من ديننا وجهة نظر شخصية .

ختاما .. حتى تكتمل الصورة تامل كلام الله وعدله :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ*الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ * وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ*إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )